الرئيسية / ملتقى المعرفة / تأملات وأفكار / الحضور المعنوي… ثقافي أيضا!؟

الحضور المعنوي… ثقافي أيضا!؟

word with dice on white background- culture

word with dice on white background- culture

لا شك أنه ليس هنالك من مُنكِرٍ أن للشخصيّة الانسانيّة تواجدان، تواجد فيزيائيٌّ مرتبط بحيّز ومعطى جغرافي يكون الانسان مكِينًا فيه، وآخر معنوي متعلق بكبد فكري ونسق منهجي يكون الانسان مجاهدًا فيه. فحينما يشغل انسان حيزا جغرافيا فيزيائيا لا يمكن أن يقتصر تواجده إلا على ذلك الحيز داخل ذلك المعطى الزَّمني، ولكن بالمقابل قد يمكن أن يؤسّس الانسان فكرا أو يبدع منهجا رشيدا أو يُكَوِّن طلبَةً وينشئ جيلاً يحيي به قلوبًا ويفتح صدورًا ويرشد عقولًا بِحثِّها على المضيِّ قُدمًا والبحث والحفر في معين مختلف المعارف التي لا تنضب، وشَقِّ سبيلٍ راسخ في الاسهام والشّهود الحضاري ممن يلتقون به خلال فترة عيشهم وفي سياق وحقل جهادهم، من مناطق مختلفة من أرجاء العالم، بأمل رباني ورح منهجية ناقدة، تجمع بينهم أواصر وروابط معنوية روحية معينة.

في الحقيقة تولدت فكرة اللفتة خلال برنامج فكري تبادلي معرفي جمعنا بأستاذ وبروفيسور فرنسي إسمه “Jean-Pierre Filiu” في محاضرة بالمركز الثقافي الفرنسي باسطنبول حول موضوع الشرق الأوسط كرقعة جغرافية مرّت بتغيرات تاريخية عديدة لا تزال إلى اليوم، من خلال نظرة تفسيرية خاصة به كباحث متخصص في تاريخ الشرق الأوسط منذ مدة طويلة ومتخصص في العلوم السياسية ودبلوماسي سابق عمل في المنطقة وفي هذا السياق، متقنٍ للغة الفرنسية والعربية والانجليزية والاسبانية والذي يتميز بمنهج تفسيري وأسلوب عرض مهم، ما يجعلنا نشير أنه قد يعتبر من الانصاف الاشارة هنا إلى الاستماع اليه والجلوس إلى طاولته وقراءة كتبه ومصادره كنموذج انساني معرفي باحث، وذلك بالنسبة للباحثين وطلبة العلم رغم كونه “مستشرقا”.

لكنَّ ما شدَّ انتباهي أساسا وأثَّر فيَّ بعمق كون الباحث أو الأستاذ انطلق من نقطة جغرافية ما من قارة مختلفة إلى بلد آخر، أساسا ليقتطع من وقته لحظات صلة رحم وساعة حوار وتبادل معرفي مع أبناء وطنه وأبناء جلدته في جلسة حوار حميمية معرفية، وخاصة أشار إلى أنه قد حظي أيضا بلحظات تداول أيضا في كل من مدينة إزمير وأنقرة ثم في اسطنبول، ما جعلني –بالاضافة إلى الاساتذة الآخرين الذين قدموا إلى هنالك في اطار نفس المركز- أطرح بعض الاسئلة وأعرضها في هذا السياق بنيَّة تداول أخوي ومحاولة تَحمِّل لمسؤوليةٍ جماعيّة أكثر من مجرّد حملها فقط، وذلك لكون صيغة التَّحمُّل تعني أيضا التَّكلُّف.

كما أنه بذر بذهني حينها صورة المركز الثقافي المتواجد بالجزائر والذي حضرت شخصيا عدة برامج ومحاضرات فيه علاوة على نشر للغة فقط ولكن أيضا كونه وسيلة في سبيل نشر ثقافة تجذّرت أو انبثقت من تلك اللغة، ثم تذكرت بعدها مدينة بعيدة هنالك في أفريقيا السمراء وفي دولة النيجر والتي استغربت لوجود مركز ثقافي ينشط هنالك، يلتقي فيه الطلبة والباحثون وكذا كونه فسحة لالتقاء ابناء وطن جمعتهم الغربة هنالك وغيرها من المراكز التي تتعدى المائة والمنتشرة في شتى دول العالم… لأسأل أخيرا انطلاقا من كون الانسان مواطنا أساسًا وطالب علم “جزائري”، انطلق من بلد لا ينكر اثنان كونه بلدا ولودا للعلماء والأساتذة والباحثين ذي حركية جغرافية معتبرة في مختلف بقاع المعمورة والتي قد ابرزت مؤسسة “وسام العالم الجزائري” كمبادرة فتية وغيرها من المبادرات أمثلة عديدة منهم من هؤلاء العلماء الحالمين الذين يتميزون بألق معرفي في تخصصاتهم ومنظومة قيميَّة أخلاقيَّة نبيلَة، لأسأل: – في بلد مثل تركيا مثلا والتي تعتبر فسحة استعمال اللغة الفرنسية ضئيلة جدّا مقارنة باللغة التركية أو الكردية أو الانجليزية، ولكن مع ذلك فهنالك أيضا اسهاما وحضورا معنويا ثقافيا فرنسيا في هذا السياق.

فهل هل هنالك حقيقة من معنى عميقٍ حضاريِّ خاص من خلال هذا الحضور المعنوي واللُّغوي وهذه الفسحة الثقافية التي تهتمُّ بجمع أبناء بلد واحد جمعت بينهم الغربة الفكرية أو الاقتصادية ليتناقشوا هنالك لغتهم/بلغتهم ويتحاوروا حول ثقافتهم وخاصة وأساسا “ليلتقوا ويتحاوروا مع علمائهم”؟. – إن كان هنالك في الأمر من أهمية !؟ فيبدو أنه من الواجب أن يكون العمل والاسهام بعيدا عن الثنائية الاختزالية التي تجعل الانسان يبحث في مشجب يعلق عليه معطف المسؤولية: هل هي مسؤولية المسؤولين القائمين على الدّولة؟ أم مسؤولية تتعلق بالأفراد الخواص والمغتربين؟ ولكن يبدو أن القضية “متعلقة بالثّلة الراشدة المتفطِّنة لأهميَّة المبادرة ومدى وجوبها حضاريًّا أيَّا كانوا ومن أي جهة قدموا، لكون الأمر يتعلق برشد الانسان لا بالزاوية التي يطل منها ليبصر ويقرأ العالم”؟. – شكل الوسيلة والمبادرة التي يمكن أن تُنتَهج، نحو تحقيق فعلي عملي للفكرة؟ – كيف تكون ذهنية الجلوس للعالم والأستاذ والباحث ذهنية راسخة لدى كل مواطن جزائري وأستاذ جزائري منطلق إلى أي بلد في العالم، عالِمٍ بوجود أبناء وطن له هنالك، جميل أن ينالوا سِعة من الوقت وفسحة تداولٍ معرفيٍّ تنقُل الخبرات وتثمن المعارف وتعزز لحمة الرحم بين أبناء الوطن الواحد وتسهم في الحضور المعنوي والشهود الحضاري؟ اسئلة كثيرة أخرى لا تزال قابعة في الذهن ساكنة في القلب مؤنبة للضمير، تبحث عن أمل لتنساب واقعا أو مشروعا مجسدا عمليا فعليا يوما ما، ضمن سياق جمعي طموح فعال رشيد يسهم في بناء الأمة جمعاء.

عبد الهادي الشيخ صالح

المصدر: فييكوس نت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التربية أولا، السياسة آخرا…

منذ أمد وأنا أجول بناظري بين قصور السلطان، وغرف البرلمانات، وديوان الممالك… في عالمنا العربي ...