الرئيسية / ملتقى المعرفة / تأملات وأفكار / التربية أولا، السياسة آخرا…

التربية أولا، السياسة آخرا…

650401DominoTree

منذ أمد وأنا أجول بناظري بين قصور السلطان، وغرف البرلمانات، وديوان الممالك… في عالمنا العربي الإسلامي، أتحسس “نموذج السلطة” و”الحكم” الذي يهيمن على البَلاط هنا وهنالك، أتساءل عن “محرّكات السلطة”، والتحكم، والهيمنة السياسية في هذا الزمن، وأجد نفسي في كل مرة: أقف على الورم ذاته والمرض نفسه: سرطان الـمـُـــلك، وهيجان التملُّك.

“نموذج الحكم” هو نفسه، في عالم اليوم، وإن تدثّر بتاج الملك، وتستّر بعباءة القبيلة، أو تزين بربطة العنق، وتجمّل بمساحيق السفور… إننا اليوم أمام ظاهرة فريدة من نوعها: إننا نجد الساسة متشاكسين متناطحين حول خياراتهم اللفظية، ومداعباتهم الخطابية: فهذا “جمهوري”، والآخر “قومي”، وثالثهم “إسلامي”، ورابعهم “ليبيرالي”، أما خامسهم فكلْبهم…؟

إنهم خلف غشاوة الألفاظ، وتحت دِثار الأسماء والخطابات: يمارسون اللّعبة نفْسها، ويُدمنون الآفة عينها، أما الرجل العامي، والمواطن البسيط: فيلهثون به من حُلُم إلى آخر، ويعبثون بأعصابه: بين “سوبرمان قومي” تارة، و”سوبرمان متدين” تارة أخرى…

إن هذا السجال اللفظي بين معسكر وآخر؛ جعل الناس يتخندقون، ويتفنْدقون، دون مراجعة أسباب التحزُّب والتخندق، لقد استُخِفت عقولنا وأفئدتنا فغدَوْنا نحكّم “الخطاب” ونهمّش “الواقع”، فأضْحى للكلمات والشعارات رنينًا وموسيقى لا تُقاوم؛ فنموذج الحكم يشتغل بمنطق “حمار جحا”: إنه يراهن على أن تصدّق كلمات السياسي، وتخطِّئ الواقع وتكذِّبه؛ تماما مثلما فعل “جحا” حين أقنع جاره في أن يُكذّب “نهيق الحمار” الصادق، ويصدّق “جحا الكاذب”.

كيف تصبح حاكما في أربعين يوما؟

نموذج الحكم، شرق المعمورة وغربها، في هذا العصر ليس قائما ابتداء على نية المواطن، وأحلامه، وخياراته، وأصواته… كما يدّعون، بل يستند أساسا إلى محركات أخرى هي المحددة في أن يصبح فلان أو علان حاكما، وإن أعوز الإنسان هذه المحركات فقد الانطلاق، وحُرِم الوصول: وهذا الكلام صادق على الدول التي نطلق عليها سمة الديموقراطية أو تلك التي نعيبها بالديكتاتورية؛ أمريكية كانت أم غربية…؛ “فحسين أوباما” مثله مثل “الحسن وتارا” بلغ الحكم بنفس الوصفة، ونفس الخلطة السحرية:

1. “جماعة ضغط” تقرئك السلام:

“جماعات الضغط” في هذا العصر هي الحاكم الفعلي في كل الأوطان، تجوس خلال الديار، وتخنق الوطن بنسيجها العنكبوتي، وتحرّك أزلامها وبيادقها في الغرف المظلمة، وغرف التحرير بالجرائد (الخاصة والعامة)، وتسيّر رجالها في غرف البرلمان المغلقة، وتأخذ قراراتها في مقاهٍ رئاسية، وتقسِم كعكعة المصالح في الوطن بين المتكالبين على قصعتها بالتراضي، وكلما استقوت “جماعة الضغط” في سلطانها حِيزت لها أعِنّة الحكم بحذافيرها في: الموالاة والمعارضة، في البرلمان والنقابة، في البلاط والشارع…

“جماعة الضغط” لا يهمها الظهور بقدْر ما تهمها الفعالية والحضور… فكل شيء بالنسبة إليها “قابل للتفاوض”، وكل إنسان “قابل للبيع والشراء”، أما الأحزاب، وأجهزة الدولة… فليست، في أعين جماعة الضغط، إلا “دمى” ينبغي أن تتحرك وفق تطلعاتها وحسب مصالحها، أما مَنْ أبى واستنكف؛ فليس له إلا أن يتغمّده الله برحمته الواسعة: حيا أو ميتا… “جماعة الضغط” ليست “جماعة ظِلّ” بل أدوارها منقسمة بدهاء بين: رجال يجثمون في “الظل”، ورجال ونسوة آخرين: يشوّشون المشهد بحديثهم أو صمتهم أمام عدسات الكاميرا…: فالواحد من “جماعة الضغط” يقتحم المشهد باعتباره قانونيا حكَما، والثاني يدخل المنصة بوصفه إعلاميا نزيها ليسأل السؤال المناسب في اللحظة المناسبة، وأخرى تسعُل في وسائل الإعلام باعتبارها معارِضة عفيفة، والآخر يتدخل بوصفة نقابيا حرا، والآخر يقرر بوصفه مسؤولا حاكما…. إنها سمفونية تتباين في صوتها المفرد، لكنها تتناغم في معزوفة المصلحة والهيمنة.

2. لحظة الانتخابات ورحلة البحث عن “وجه ملائكي”:

حين تُقرَع طبول الانتخابات، وتأزِف آزفة السباق واللحاق للوصول إلى مقعد الحكم والسيادة، وتتحرك آلة البحث عند “جماعة الضغط” بحثا عن “عروس” يليق بالمناسبة؛ يبزُغ فجأة “فارس الأحلام “مرشحا بالقوة” للرئاسة، وفي هذه اللحظة تتفنن “جماعة الضغط” في تجميل عروسها، وتبييض وجهه، والحديث عن مناقبه، وتحرّك من أجل ذلك الألسُن المأجورة، والبطون المعمورة: ناهقة مبشرة بخليفة جديد، ووجه سياسي وليد.

في هذا العصر لم تعُد مهمة تبييض الأسود، وتسويد الأبيض: مهمة عسيرة صعبة المنال، بل أضحت وظيفة قابلة للتنفيذ؛ فقد أضحت مؤسسات وشبكات “العلاقات العامة” المتخصّصة في “الكذب الإعلامي”، و”التضليل الفكري” تراهن على وسيلتين أولاهما: فعالية وسائل الإعلام في يدها، من شبكات تواصل اجتماعية، وجرائد، وقنوات… أما ما تراهن عليه ثانيا: فهو حجم السفه المتزايد في “إنسان العصر”؛ والذي لم يعُد يمتلك حصانة فكرية، ومناعة معرفية، فهو يتقبل بكل عفوية أن يُسام كالدواب، وأن يساس ضمن القطعان، فيستهلك المتناقضات بكل أريحية وعفوية.

بمجرد نجاح الحملة الإعلامية في تثبيت الوجه الملائكي مرشحا بالقوة؛ فقد نجحت مجموعة الضغط ونجت، أما إن فشلت فإن “جماعة الضغط” ستبحث عن مرشح بديل في الوقت بدل الضائع؛ عله يستدرك ما فاتها…

3. مستحضرات تجميل إيديولوجية، وعقاقير فلسفية:

حين يدخل هذا المرشح إلى خشبة مسرح السياسة، وتنجح “جماعة الضغط” في تنصيبه مرشحا فعليا كامل الحظوظ؛ فإن من الآداب التي عليه أن يتأدب بها: ألا يفصح عمَّن حوله، ولا مَن يقف خلفه، ولا مَن هو معه…، بل عليه أن يقدّم نفسه رجلا حرّا (والرجال قليل)، في هذه اللحظة يطوّر “الخليفة القادم” خطابا إيديولوجيا يعوّم فيه أهدافه، وأفكاره، ويخفي خلف ألفاظه، وبياناته، وتغريداته: مصالح “جماعة الضغط” التي تقف وراءه؛ ويواري سوءة جماعة ضغطه، وحلفاءها، وأسيادها: خلف كومة من العبارات الرنانة، والخيارات الإيديولوجية؛ فتضيع “الحقيقة” وراء مجموعة من “الحقائق الكاذبة”، كما تغيب الإبرة في كومة من القش.

في هذه اللحظة يولد “الخطاب”، وتتفتَّق كلمات المرشّح السياسي، وخُطَبه العصماء، ويطوّر حقيبة من الكلمات يطوف بها: النوادي والجمعيات، والزوايا والتكايا، وجمعيات حريات “المرأة” و”أشباه الرجال”… ولا يهم “جماعة الضغط” في هذه اللحظة إن كان مرشحها يحمل خطابا باسم اليمين، أو باسم اليسار، باسم القومية أو باسم الليبرالية، ولا يهمها إن كان من أصحاب اليمين أم من أصحاب الشمال؛ فكل ما يهمُّها أن يكون خطابها خبزا يمكن علفه للجماهير التواقة لغد أفضل، والمتشوّفة لمستقبل أجمل…

اللعبة السياسية قصيرة النفَس…

منذ مطلع القرن العشرين، وقوافل السياسيّين تمر بحيِّنا متتالية متواترة؛ فقد شبعت الآذان من كلماتهم، وطنينهم، ومدنهم الفاضلة، أما العيون فجائعة عطشانة متلهفة لترصد ما يتحقق فعلا وعملا…؛ لقد مر بحيّنا القوميُّ، والليبراليُّ، والحرُّ، والإسلاميُّ، والعلمانيُّ…، لكننا لم نجن منهم إلا حصيد الكلمات والعبارات؛ لقد خلّفوا وراءهم وعودا، وواقعا كئيبا…

لستُ أنسج هذه الكلمات لبث التشاؤم، وإذاعة اليأس والقنوط، ولستُ أحيا اليوم مفرغا من أملٍ يحدوني، وثقة في الله تغمرني، بل إنني اليوم أكتب هذه الكلمات لأبوح لكل ناشئ، وأصارح كل طمّاع، وأشُدّ يد كل عامل: قائلا: إن اللعبة السياسية في أفغانستان والجزائر، في موسكو أو نيوميكسيكو: نموذج مغلق، ولعبة مملة، ومتاهة موصدة…: لأنها تعيد إنتاج ذاتها، وليست مستعدة لتغيير ما بنفسها، إن الآلة السياسية تعيد إنتاج المقدَّرات التي تحيط بها؛ فإن كانت البيئة خصبة؛ كان النموذج السياسي غنيا مثمرا، أما إن كانت التربة قحلة محلة: أعادت اللعبة السياسية إنتاج الرداءة، وإفراز الصلافة والفساد…

نموذج الحكم السياسي انعكاس وأثر لصورة الإنسان على صفحة مدرجات البرلمانات، وانعكاس لقامة الإنسان على صفحة الأحزاب، والنقابات، والتشكيلات المدنية…، فإن كان الإنسان قزما: تقزّمت خلفه خياراته وهياكله السياسية وتكلّست، وإن سمق الإنسان بعلمه وحلمه، بقلبه وعقله: لم تكن السياسة إلا بمستوى هامة الإنسان وهمّته.

السياسة آخر ما يتغير في الأمم، وآخر ما يتحول ويتبدل، أما ما ينبغي أن يكون الأول في التفكير، والأول في التخطيط، والأول في العمل: تربية النشء وبناء الإنسان، فإما أن تغير الإنسان فيتغير كل شيء، وإما أن تلاحق سراب التحزّب والسياسة؛ فتصير إلى اللاشيء…

د. طه كوزي

المصدر: فييكوس نت

تعليق واحد

  1. أريد متابعتهكم الإستفادة وشكرا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ماهي أهم نصائحك لشاب يود تأسيس مشروعه التجاري الخاص؟

ماهي أهم نصائحك لشاب يود تأسيس مشروعه التجاري الخاص؟