الفقير

7450-Povertypakchildrenreutersx-1313584862-833-640x480

وأنا أتجول في أرجاء البلدة اعتراني صخب الحديث بين الناس واستهجانهم لبعض المشاكل التي يتبادلون أطراف الكلام فيها بأصواتهم العالية وبحركات أيديهم الصاعدة النازلة وهي الباهتة التي لا تقدّم في شيء ولا تؤخر، وإذا هم جماعات جماعات  يملؤون أرجاء السـوق: الغني للغني، والفقير للفقير أولا أثر لوجوده بينهـم، بزي واحد وبلغة أوحد وبعقيدة أشد وفي السرائر من يحمل رداء السماء أعلم بالخفايا…

بزيي المتواضع وبلهجتي التي هي ثقافتي، وبعقيدتي التي بها أشد أزري، حملت ردائي المرقّع وأخذت نفسي لأجلس في ركن مظلم بدأت أحدق النظر في الأشخاص الذين يتوسطون الجموع بلباسهم اللامع كسحر ضوء القمر وسرائرهم على اختلاف درجاتها قاتمة السواد وكأنها  دجى الليل بادية، سألت نفسي لم الاختلاف بين الناس الذي أوصل هؤلاء إلى الائتلاف؟ لم الأشـراف على الفقير في استشراف واستخفاف؟ والضعيف بأسماله البالية هي أغنى ما يملك كشبر من الساحل للغريق لما تشرف روحه أن تغرغر وجسده كالبقر العجاف؟

فجأة تقدم إلي أحدهم كان مع الغير في خلاف يسأل عن حالتي البئيسة بضحكات متعالية تملؤ وجهه التعيس ألا تزال على قيد الحياة؟ أتريد أن يستعطفك من هم في القرب كي تسلك سفينة النجاة؟ أتريد أن تحيا حياة وأنت بمنظرك هذا تشرف على القبر؟ والفقر ينخر جسدك الخسيس؟ فتمالكت نفسي ولم أرد. فقال رد علي: قلت له ألا تعلم أن عليا كرم الله وجهه يقول السكوت عن الأحمق جوابه؟، فرد غضبا ثكلتك أمك، فأجبته الرسول قال اللهم أحييني فقيرا وأمتني فقيرا واحشرني مع زمرة الفقراء وهل يوجد خير من هذا؟. تقول يا سيد  ثكلتني أمي. يكفيني فخرا أن أكون قدوة الرسول، كذلك هو ثكلته أمه رغما عنه لا رغما على أسلوبك الذي تتشدق به، لي ديني الذي أشد به أزري، لي فقري الذي صنعت به مجدي يقاطعني قائلا أي مجد تتغنى به ،قلت أفكر في غيري رغم فقري، أُحسن إلى الناس، رغم أني لم أقدر على استعباد قلوبهم ،بفقري صنعت مجدي نعم فقدت أمي ولم أفقد إنسانيتي فقدت جنتي ولم أفقد رضاها ووصاياها ،فقـدت الكثير من حياتي ولم أفقد الأمل، إن كنت خليلي فالفقـر يصنع الرجال ويكفيني فخرا أن تكون هممي مثل قمم الجبال، إن كنت صديقي فالرسول أوصى خيرا بالصديق ويكفيني شرفا أن أكون لغيري النور الذي ينير الطريق.

تعال واجلس بقربي فإذا كان المال هو قوام الأعمال فإن الفقر يعلمك الإصرار ومجابهة الدنيا وعليك أنت القتال. أترى هؤلاء؟ بمقدار ما أصواتهم تتعالى دون فائدة منها ترتجى بقدر ما كانت حياتهم سدى والكل قد يشقى فلا يكون المال حينها إلا قد نزل قدر الثرى أو بلغ  في البخل سدرة المنتهى، بمقدار ما أحبوا المال فإنهم عن الجار الجنب قربهم عنه محال، إننا نحن في الدنيا نبني لأرواحنا في السماء، لسلّم نسلكه صعب المنال والرجاء.

لو قدّسوا الفكر على المال لو أنهم ساووا بين درجات الغني وبين فقر الاسكافي، لو أنهم نظروا إلي رغم أني لست أنتظر من أحدهـم ذلك مادام من يعلم السرائر هو يراقب السر وأخفى لو أنهم كسروا عواقب لو في التفكير لما قلت ولما ستقول بعدي أكيد قد مات فينا عمر، بل ستقول لقد ظهر في كل واحد منا ألف عمر.

يقول هذا السيد: ليتني كنت فقيرا لأفكر مثلك وأعيش حياة مطمئن النفس مرتاح الجسد رغم مافي الفقر من ألم، فقلت له إذا كنت تفكر أن تكون مثلي ففكرك المعدم هذا سيجعلك أشد فقرا مني لك أن تبلغ الثريا وأن تصل إلى المرام وأن تعيش بسلام بعيدا عن الأحلام بسماعك لي بتواضعك هذا بالإصرار الذي يملأ كل فقيرا منا حتما ستعيش سعيدا كريما غير تعيس.

ستكون ما تريد إذا أردت أن تصل إلى ما تريد. ستظفر بدار الكرامة في مركب السلامة وسيصبح غيري ومن أشد فقرا مني أو أقلهما، سعداء أمناء،في بلدتهم كرماء أعزاء…

رضوان صلاح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التربية أولا، السياسة آخرا…

منذ أمد وأنا أجول بناظري بين قصور السلطان، وغرف البرلمانات، وديوان الممالك… في عالمنا العربي ...