الرئيسية / ملتقى المعرفة / حفل في مزاب.. بقلم الدكتور أبو القاسم سعد الله

حفل في مزاب.. بقلم الدكتور أبو القاسم سعد الله

saad-ellah

إذا ذكر العلم في بلادنا فإن الذهن ينصرف إلى مراكز معينة هي تيهرت وتلمسان وبجاية وقسنطينة، ثم تقدمت عجلة الزمن فإذا بمراكز أخرى تظهر على الخريطة هي زواوة ومعسكر ومازونة ومدينة الجزائر، وبعد الاحتلال الفرنسي انطفأت هذه الشموع ولم يبق منها إلا بصيص يخفق هنا وهناك رغم الرياح العاتية، في تلمسان وقسنطينة وبسكرة، وقد أضيف إليها وبقوة مزاب.

كان المرحوم محمد علي دبوز يُهدي إلي كتبه عن النهضة الجزائرية وأعلام الإصلاح، وهي كتب تمثل بحق مجهودا فرديا تنوء به العصبة أولو القوة وكنت أتحرج من مجاراته في الأطروحة العامة التي يبني عليها مؤلفاته وهي التاريخ للنهضة الجزائرية بتطبيق نظرية شمال وجنوب، وقد كان _رحمه الله_ يكرر ذلك فيذكر نماذج قليلة مما يسميه “الشمال” ثم يركز ويطيل التركيز على النماذج “الجنوبية”، وهو يعني بالشمال بعض مراكز العلم وبعض الشخصيات في المدن الساحلية وما جاورها، ويعني بالجنوب بلاد ميزاب بالذات، فهو يؤرخ لحياة هذه المنطقة العلمية ويصف رجالها ويتحدث عن تكوينهم وأسفارهم في سبيل العلم والتحصيل وجهادهم من أجل العربية والإسلام والإصلاح.

قلت كنت متحرجا من مجاراته في ذلك لأنني أؤمن بوحدة الوطن وأقف ضد تناول حياة بلادنا من منطق الجهوية أو المذهبية، فلم أتناول كتب المرحوم دبوز بالمدح أو القدح، وإن كنت في نفسي أُكبر فيه الجهد والتوثيق والغيرة الشديدة على تراث ميزاب، وكنت أقول لعله يبالغ في ذلك ولعله ينطلق من منطلق الأحداث التي عرفتها المنطقة خلال حوالي قرن، وعذرته فيما ذهب إليه وازداد جهده مكانة في نفسي.

كان ذلك حين أتيحت لي فرصة حضور حفلة تأبين المرحوم الشيخ إبراهيم بن يحيى القرادي في مدينة العطف يوم الثاني من شهر مايو، وكان سفري إلى هناك صدفة، فلم أكن مخططاً للذهاب إلى العطف ولم أسمع بالحفل إلا لمدة قصيرة قبل سفري، وبالعكس كانت عندي مشاريع أخرى أحاول التوفيق فيما بينها لحضورها أو لحضور جزء منها على الأقل، وهي ندوة العمودي بسوف، وندوة محمد العيد في بسكرة، وندوة التعريب في قسنطينة وندوات خراطة وقالمة وسطيف وندوة السنوسي في تلمسان، ثم ندوة المستقبل الإسلامي بالعاصمة، فإذا بي أجد نفسي معتذراً عن حضور الجميع (عدا ندوة المستقبل الإسلامي) وحاملا حقيبتي في اتجاه وادي ميزاب، ولقد كان ذاك من حسن الصدف طبعا، وللقدر تقديرات ما علينا إلا أن نستسلم لها راضين مطمئنين.

دع الأيام تفعل ما تشــاء وطب نفسا إذا حكم القضاء

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها ميزاب، فقد زرتها زيارة خاطفة بعائلتي أواخر عام 1970، فكنت عندئذ سائحا يلتقط المعرفة بالعين المجردة، وكان حظ العطف وبونورة ومليكة وبريان مجرد العبور، أما بني يزجن فقد تجولت فيها وصعدت صومعتها ومررت بشوارعها الضيقة، وكان حظ غرداية المبيت في أحد فنادقها “فندق السلام”، أما القرارة فلم يسعدني الحظ بالتعرف عليها ولو بالعين المجردة، رغم أنها موطن الحياة ومبعث الحركة العلمية المعاصرة.
أما زيارتي هذه المرة، فقد كانت تختلف تماما عن سابقتها، كانت زيارة علمية وإخوانية لا سياحية، منذ المطار وجدنا في استقبالنا نخبة من المثقفين يتقدمهم زميلنا الدكتور محمد ناصر: وقضينا المساء في منازل بعض المثقفين أيضا، جلسة هنا حول الشاي، وجلسة هناك حول العشاء، ولكن الحديث كان دائما عن حالة الجزائر الراهنة، وعن النهضة العلمية في ميزاب، وعن بعض الكتب التراثية، وكان شيوخ العلم وبعض النواب والمدرسين والطلاب حاضرين، بعضهم جاء من بعيد للمناسبة، أما الآخرين فكانوا مقيمين.

في صباح اليوم التالي (3مايو) انطلقنا إلى الجامع العتيق بالعطف، كان الطريق غاصا بالضيوف الذين جاؤوا من كل حدب وصوب، وكان اللباس الأبيض واللحية والعرَّاقية هي العلامات المميزة للجموع المتراصة، اكتظ الجامع على اتساعه وكان في مقدمته، جهة المحراب، جمع من الشيوخ الأجلاء يتقدمهم الشيخ الأستاذ عدون، رئيس مجلس عمي السعيد، وهو عند الميزابيين مجلس الحل والعقد أو الهيئة العليا التي تعنى بالشؤون الدينية، بالإضافة إلى الضيوف القرباء والبعداء، وقد عودنا بعض المنشطين للحياة الثقافية في الجزائر عقد مثل هذه اللقاءات في قاعات من نوع آخر، فيها المنصة وفيها الأضواء الكاشفة والخافتة وفيها الكراسي الوثيرة والممرات المستقيمة أما حفلنا هذا فقد جرى في الجامع الذي شيد في الإسلام على التقوى والجهاد والعلم، ويجلس المسلم فيه متربعا إلى جانب المسلم، الركبة بالركبة والكتف إلى جانب الكتف، بدون منصة ولا كراسي ولا ممرات، هكذا الجامع إذن فهو الموحد للصفوف، وهو الإشعاع في العلم وهو التوجه بكل ذلك إلى الله.

افتتح الحفل بآيات بينات من الذكر الحكيم، ثم تعاقب المتكلمون، فكان أولهم هو الشيخ عدون، وتنوعت الكلمات والتدخلات، فكانت الأناشيد والمدائح الدينية والوطنية “ومنها ما نظمه المرحوم الشيخ القرادي نفسه” تترنم بها براعم من الفتيان وكانت المحاضرات الدسمة التي يحلل فيها المحاضر الوضع الاجتماعي والسياسي والأدبي لميزاب على عهد المرحوم القرادي.

وكانت الكلمات الحافلة بالذكريات العطرة عن الشيخ الفقيد، وغالبا ما كان يتخلل هذه الكلمات الذكرياتية الإجهاش بالبكاء، ومن لا تتندى عيناه بالدموع وهو يستمع إلى صديق مخلص للفقيد يقص مواقفه الوطنية والإنسانية بعبارات مليئة بالحزن المبرح والألم الدفين؟ إن الموت أقوى قاهر للإنسان وأكبر كاشف لضعفه، إننا نقبل الموت لأنه قضاء وقدر وليس عن رضى واختيار منا، ذلك لأنه يسلبنا أعز الأكباد والآباء والأصدقاء.

تبارى المتكلمون طيلة الصباح والمساء، فالشعر يجعلك تتخيل أنك في سوق عكاظ والنثر يذكرك بعهد الجاحظ والمبرد وأبي علي القالي، لو بحثنا عن سوق نافقة للأدب العربي في الجزائر المعاصرة لوجدناها في ميزاب، فالقوم لا يزالون على عهدهم بالشعر الجميل والنثر الجزيل، يحسون بوقع الكلمات وموسيقى النبرات وجلال المقاطع، لقد جعلت منهم الصحراء الصافية، والمعاهد العلمية التي تخرجوا منها وحافظوا عليها بالنواجذ، مثل معهد الحياة، والموروث الحضاري الضخم من عهد الدولة الرستمية، مرورا بمعاهد العلم في المشرق العربي والزيتونة بتونس قلت جعلت منهم بحق “بلابل” الأدب العربي في الجزائر، ينشدونه عن حب وسليقة، ويكتبونه عن رغبة وصدق، ويحفظونه عن فخر واعتزاز، لقد جعلتني الحركة البربرية _الفرنكفونية_ الشيوعية التي ظهرت في زواوة أضع يدي على قلبي خوفا على مصير الكلمة العربية القرآنية الجميلة في وطننا، ولكن ما رأيته وأحسست به في ميزاب جعلني مطمئن البال متفائلا بالمستقبل السعيد لهذا الوطن العزيز.

ما يلفت نظرك في هذا الحفل أن عددا من المتكلمين كانوا ممثلين لجمعيات ثقافية وأدبية وعلمية، وهي جمعيات تحمل عناوين في غاية الجمال والدلالة، هي جمعيات أنشئت لخدمة الثقافة العربية والإسلامية ولجمع الشمل وتقريب الأذهان وإطلاق الألسنة بالأدب الرفيع والأخلاق الكريمة، والتغني بالوطن والعروبة والإسلام، وإليك نماذج عن هذه الجمعيات التي كانت حاضرة ممثلة في المتكلمين باسمها، أي أولئك الذين ألقوا كلمات في تكريم وتأبين المرحوم القرادي مشاركة لإخوانهم في المصاب الجلل: جمعية الحياة، جمعية النهضة، جمعية التراث، جمعية الإصلاح، جمعية الفتح، جمعية الثبات، جمعية الوفاق، جمعية النور، ثم جمعية الجابرية، ومجموعة الفن والأدب الإسلامي، الخ ألا يدل هذا على ذوق سليم؟ ألا يدل على الالتزام بالانتماء العربي الإسلامي؟ ألا يعطي برنامج عمل كامل للحياة المدنية التي سبقت بها ميزاب أخواتها الجزائريات؟ بالنسبة لي فقد فهمت أن الجزائر بخير مادام فيها مثل هذه القلعة الحصينة الملتزمة بثوابت التاريخ والأدب والدين والوطنية.

وهناك نقطة أخرى تجعلك متفائلا أيضا، وهي أن ميزاب ما تزال محافظة على تقاليد اجتماعية بينما نفس هذه التقاليد قد أخذت تتلاشى في أماكن أخرى تاركة مكانها لواردات غربية، يبدو أنها غير منسجمة مع عقلية شعبنا، فأهل ميزاب الذين هم جزء لا يتجزأ من الشعب الجزائري، مترابطون ترابطا اجتماعيا وثقافيا بحيث يصدق عليهم الحديث الشريف “كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا”، فلكل قرية “عزابة” أو جماعة تسهر على مصالحها وتنظم شؤونها وتقرر حتى في المسائل الحساسة أو الشائكة أو الأخلاقية، ومن ثمة فمجتمع كل قرية يعرف أنه مصان ومراقب ومترابط عن طريق هذه الحلقة المتينة، ومن ثمة أيضا جاء الولاء إليها “أي العزَّابة” سُنة حميدة يلتزم بها الجميع وتمثل احترام الصغير للكبير في الحس والمعنى.

وبالإضافة إلى هذه العزَّابة هناك أيضا مجلس أعلى يحتكم إليه الناس يسمونه “مجلس عمي سعيد” وهو كما سبق هيئة عليا ذات سلطة معنوية كبيرة، ورئيسه الحالي هو الشيخ عدون، ولا يتولاه إلا من كان يتمتع بقوة علمية وأخلاقية عالية، إن هذه المؤسسات التقليدية بالإضافة إلى روح التعاون والترابط عن طريق العشيرة، تجعل مجتمع ميزاب كخلية النحل نشاطا وتماسكا وتفاعلا، كما تحفظه من الانحلال والذوبان والاستلاب، ومثل هذه المؤسسات كانت موجودة في أشكال أخرى في أكثر من جهات القطر الجزائري، ولاسيما في بلاد القبائل حيث نظام الجماعة وسلطة الأمناء، ولكن هذه المؤسسات أخذت تتلاشى في بلاد القبائل مما جعل الجيل الجديد غير مرتبط مع الجيل القديم وجعل مجتمعنا في هذه الأماكن يتطور بطريق الطفرة والارتجال والعشوائية، وهو ما جعله عرضة أيضا للفراغ والاستلاب بحثا عن بدائل قد تكون مستوردة وقد يكون ضررها أكثر من نفعها.

ومن أبرز ما لاحظته في هذا الصدد ونحن بميزاب، أن الديمقراطية بالمفهوم الجزائري كانت ممثلة في نظام الجلوس وفي وجبات الطعام وفي نمط اللباس، فأنت تحس بأن هناك مساواة نشيطة بالمفهوم الإسلامي الأول الكل يجلس حيث انتهى به المجلس، والكل يأكل من طعام واحد ويتقشف أيضا، والكل يلبس لباسا متشابها في القيمة والزي، وتكاليف الضيوف، بما فيهم بنو ميزاب أنفسهم، على العشيرة، وهكذا كانت وجبة الغداء مثلا بدار “عشيرة آتْ لَمْخَارَج” وهي مبنى يتسع لعدد كبير من الزوار وله وسط واسع لم تنضد فيه الموائد بالطريقة المعروفة ولكن يجلس الناس فيه على شكل حلقات من سبعة إلى عشرة أفراد، ومن لم يجد مكانا في هذا الوسط عليه بالصعود إلى طابق أعلى يخضع لنفس النظام، والمبنى مجهز لأنشطة ثقافية أخرى أيضا، فقد رأينا فيه معلقات وصورا وغير ذلك.

ولم تتح لي زيارة البساتين في ميزاب ولكنني أعرف أنها تمتاز باستثمار أكبر قدر ممكن من الأرض، رغم أن الأرض بخيلة وصحراوية قاسية أحيانا، وهم يستنبتون النخيل والفاكهة والبقول والخضروات، وقد صادف وصولنا بقايا المطر والسحب الحبلى، الداكنة، والبرد غير الفصلي، فتساءلت في نفسي كيف يمكن أن ينمو النخيل في هذه الطبيعة؟ لكنني رأيت صباح يوم 03/05/90 مضيفنا يعمل على قطعة أرض مرتفعة تكاد تكون قاحلة واقعة في مثلث بين ثلاثة جبال جرداء، فكان هو ومن معه يسوون الأرض وينظفونها من الحجارة، وقد مد الأنابيب للسقي، ووضع الحواجز الواقية من الانجراف عندما ينهمر السيل من أعالي الجبال، وقد اطلعنا على كيفية تفتيت بعض الصخور عن طريق الألغام، وذلك كي يغرس النخيل ويزرع بين كل نخلة وأخرى الخضر والفاكهة، وقد ذكرتني صعوبة معالجة الأرض بالطريقة الأصعب منها التي يعالج بها أهل سُوف غراسة النخيل بالنظام القديم، أي عندما كانوا يصارعون كثبان الرمال بحثا عن الماء لكي يضعوا النخلة على مشارفه، وكل من أهل ميزاب وأهل سوف قد عرفوا الصبر والمعاناة من أجل العيش والبقاء.

وعلى ذكر المحافظة أشير إلى أن هناك تواصلا في الأفكار وفي الأجيال في ميزاب، وقلما نسمع أو نقرأ عن حركة أو شخص شذ عن الرأي العام، أو أثناء الملتقى الذي نحن بصدده أحسست من كلام بعض الشيوخ أن هناك خوفا من طفرات الشباب نتيجة للمؤثرات التي تعرفها الجزائر في عمومها، ولذلك جاء خطاب الشيوخ مليئا بالتحذير والنصح والدعاء بأن يحافظ الجيل الجديد على تراث الأجداد ويلتزم بخط سيرهم.

أما عند الحديث عن الماضي فالوصف الذي يذكره المتكلمون عن الجيل السابق وهو وصف الجمود والتطور أو المحافظة والإصلاح، وغالبا ما يشار إلى معهد الحياة بالقرارة على أنه مصدر الحركة الإصلاحية في ميزاب، أي النهضة التعليمية التي جاءت بعد غفوة طويلة، وفي هذا السياق يشار إلى البعثات التعليمية التي توجهت إلى تونس وغيرها للمزيد من العلم، وهكذا يوصف أعداء الإصلاح والتطور بالجامدين والمحافظين الذين حاولوا تأخير القطار بدون جدوى.

وليس هذا مقام التعريف بالمرحوم الشيخ الحاج إبراهيم القرادي، فهذه الكلمة كتبناها عن حفلة تأبينه لا عن حياته وجهوده، وأنا لا أعرف المرحوم ولم أقرأ له من قبل، ولكن ما سمعناه من محاضرات وخطب وذكريات عنه وما قرأنا عنه مما وزع علينا أثناء الحفل من آثاره(3)،كل ذلك يجعله في نظرنا شخصية متميزة في عالم الوطنية والأدب والدين، فقد ولد بالعطف إحدى مدن ميزاب التاريخية، في 31 مارس 1923، وتوفاه الله بالمدينة المنورة في 4 يوليو 1989 أثناء موسم الحج، وقد ربط كثير من المتكلمين والشعراء بين حياة الفقيد والمكان الذي اختاره الله لوفاته حيث دفن بالبقيع.

فكان هذا الربط زيادة في التأثير على الحاضرين ذلك أن مصير الإنسان غير معلوم “وما تدري نفس بأي أرض تموت” وكون روح الفقيد قد فاضت وهو يصلي في المسجد النبوي، دليلا في نظرهم على قربه من الله وعلامة رضاه عنه، وكان الشيخ القرادي قد تعلم في عاصمة الجزائر وفي تونس وفي معهد الحياة بالقرارة حيث تتلمذ على يد الشيخ الشهير إبراهيم بَيُّوض، ثم أصبح من معلمي هذا المعهد، وفي مدرسة النهضة بالعطف حيث تولى إدارتها أيضا فترة طويلة، وأثناء ذلك أثر على التلاميذ الذين بقوا يدينون له بالولاء العلمي.

وبالإضافة إلى هذا الدور لعب الشيخ القرادي أدوارا أخرى في الحياة العامة منها أنه كان من النشيطين في الكشافة الإسلامية، وفي إدارة دار الفكر الإسلامي بالعاصمة التي كانت تصدر مجلة بنفس الاسم، ثم إدارة المطبعة العربية بالعاصمة، وقد أصبح عضوا في جمعية القيم، وانضم إلى حلقة العزَّابة منذ 1961، وترأس عشيرته على طريقة أهل ميزاب، كما عمل في جبهة التحرير الوطني أيام الثورة، وتولى الكتابة في مجلس عمي سعيد.

أما نشاطه العلمي فيبدو أن الفقيد كان منصرفا، مثل أغلب علماء الجزائر خلال مائة سنة الماضية، إلى تكوين الرجال وأداء الأعمال العائدة بالفائدة على الحياة الثقافية، أما التأليف فلم يشتهر به وإنما ترك مقالات وكتابات وعد الغيورون على تراثه بجمعها ونشرها، وقد بادر زميلنا الدكتور محمد ناصر إلى ذلك إذ أنه نشر الحلقة الأولى من أعمال الشيخ القرادي، وقد قسم ما في هذه الحلقة إلى عناوين رئيسية وهي:
1- الدين والاجتماع، 2- الثقافة، 3-السياسة والتاريخ، 4- الأشعار، 5- الرسائل؛ وتدل هذه الآثار على أن الشيخ القرادي كان يعيش واقع بلاده الجزائر وقضايا موطنه الصغير مزاب، وكان مهتما بشؤون المجتمع والإسلام والتعليم والاستشراق.

عندما تتبارى المدن والنواحي الجزائرية في ميدان العلم والأدب وحلبة العروبة والإسلام ومضمار الوفاء لسدنة هذه الثوابت، ستقف ميزاب في الطليعة بدون منازع، وقد قلت لإخواننا الميزابيين إن غيركم يقعقع كثيرا ولكن بدون ماء، ويجعجع كثيرا ولكن بدون طحن، أما أنتم فلكم الفيض من الماء والعزم من الطحن، ومن حقكم على الجزائر أن تعرف ماءكم وطحنكم وأن تتغذى منه كل الجهات والنواحي، ومن حق الجزائر عليكم أن تمدوها بما عندكم من رصيد في الأدب والعلم، والتضامن والجد، ومن روح المبادرة والوفاء، وفوق كل ذلك ما عندكم من غيرة عمرية على تراث الإسلام ولغة القرآن.

د. أبو القاسم سعد الله رحمه الله
الجزائر في 31 ماي 1990.

الهوامش:
ــــــــــــــــــــ
(1) نُشر هذا المقال في جريدة الشعب بتاريخ: 7/6/1990.
(2) الدكتور أبو القاسم سعد الله من أبرز المثقفين الجزائريين المعاصرين، أستاذ جامعي واسع الثقافة، ألف في العديد من الاهتمامات، التاريخ، الأدب، الشعر، تحقيق التراث وهو عضو المجمع العلمي العربي بالقاهرة.
(3) الشيخ القرادي حياته وآثاره، تقديم محمد ناصر، نشر جمعية النهضة، بالعطف، ط1، 1990.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التربية أولا، السياسة آخرا…

منذ أمد وأنا أجول بناظري بين قصور السلطان، وغرف البرلمانات، وديوان الممالك… في عالمنا العربي ...