الرئيسية / ملتقى المعرفة / قطب الأئمة في ذكراه المئوية

قطب الأئمة في ذكراه المئوية

bookss

تحل الذكرى المئوية على وفاة إحدى أهم الشخصيات التي عرفها التاريخ الاسلامي. توفي هذا الامام العلامة وترك 134 مؤلف بين كتاب وموسوعة، في مختلف الميادين، من فقه وتفسير وبلاغة وأصول، وغيرها، دون الحديث عن الرسائل و القصائد والأجوبة والفتاوي التي تعد بالآلاف. بل ولا نزال نكتشف كنوز ما خطت يداه تحت ضوء القنديل أونور الشموع.

إنه الجزائري الشيخ امحمد بن يوسف أطفيش (1827-1914) الميزابي اليسجني (بني يزڨن)، الملقب بقطب الأئمة. والذي قال عنه مفدي زكرياء:

طُفيّش سقياك قطب الأيمّه *** ومن عاش بالفكر يصنع أمّه

ومن شقّ بالعلم درب الحياة *** وصان لنيل الرسالات حُرمه

ومن قطع العمـر يغزو الكتاب *** ويفري الظلام ويُلهـب هـمّه.

(راجع كامل القصيدة في الإلياذة).

لا نجد في الجزائر، بل وفي المغرب الكبير على الاطلاق من ألف هذا الكم الهائل من الكتب الموسوعية، بعضها في 17 مجلدا، مثل (شرح النيل)، وبعضها في 15 عشر مجلد، مثل (الهميان) و (التيسير)، وأخرى في 12 جزء، مثل (شرح شرح المختصر لكتاب العدل والانصاف)، … الخ.

هذا الرجل سخّر حياته لخدمة العلم ولم يعرف الراحة أو الاسترخاء سبيلا إلى قاموسه اليومي، فمنذ أن أدخلته أمه المحضرة يتيما وهو ابن الخامسة، وهو في كد واجتهاد إلى أن توفاه الله في سن السابعة والثمانين على الأرجح. بل، ولا تزال بحوزته وفي رصيده ألقاب علمية وأرقام قياسية حققها ويصعب على أنداده تحطيمها ولو بتوقيتنا الحاضر ووسائلنا العصرية. فعلا، فلقد استظهر القرآن الكريم عن ظهر قلب وهو بين الثامنة والتاسعة، وما كاد يبلغ السادسة عشرة حَتى جلس للتدريس، وفي السابعة عشرة من عمره، نظم كتاب المغني لابن هشام في خمسة آلاف (5000) بيت. وما إن جاوز العشرين حتى تفرغ للفتوى وسطع نجمه بين العلماء. رفع القطب سقف التحدي لما تصدى للتفسير وهو في سن الخامسة والعشرين، فترك ثلاثة تفاسير للقرآن الكريم. أخذ يرتقي سلم الكفاءات العلمية حتى بلغ درجة المجتهد المطلق.

قام القطب برحلتين إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، في 1873 وفي 1886، وألقى دروسا في الحرم المدني بالروضة الشريفة. له مراسلات مع علماء أجلاء في العالم الاسلامي، تشهد له بالتفوق والتميز. فبعد تمكن القطب من ناصية العلم، قال منشدا :

وإني لأرجو أن أكون المجددا *** لدينك ياربي، ويا مظهر الذخر

برنامج عمله اليومي جدير بالتمعن و التدقيق، فلا تراه إلا مدرسا أو عابدا أو منكبا على المطالعة والتأليف ولو في تنقلاته. فعندما قام القطب، مثلا، برحلة إلى بلدة بريان سنة 1855 لحضور احتفال المولد النبوي الشريف، وخلال أوقات فراغه من الإجابة على الاسئلة والفتوى، رغب في تأليف كتاب “تحفة أهل بريان” في علم الميراث وعند عودته أردفه بمؤلف سماه “توأم تحفة أهل بريان”، فأخرج الكتابين بعنوان “التحفة والتوأم” في علم الفرائض.

كان عادة ما يتفرغ للتأليف قبيل الصبح وعند سكون الليل، ولسان حاله يقول :

أأبيت سهران الدجى وتبيته *** نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي. (الزمخشري).

فعندما يقول المثل إن “الحياة مثل الرواية التمثيلية، ليس العبرة منها مدّة العرض وطوله، وإنّما الأهمّ أن تكون أدوارها وفصولها مؤدّاة أحسن أداء”، فكيف بمن جمع بين الحسنين، حسن الأدوار وبركة العمر ؟ نتيجة ذلك أن ترك لنا القطب مكتبة قيمة على المستوى الوطني والشمال الإفريقي تشهد له بمكانته العلمية الراقية، رغم الظروف البيئية الصعبة والمحن الاجتماعية و الأوضاع السياسية المضطربة.

ولقد ناهض الشيخ القطب الاستعمار الفرنسي بكل ما أوتي من جهد رغم تقدمه في السن وكان له كغصة، خاصة بعد إخضاع مزاب سنة 1882، كما تؤكده التقارير الفرنسية. وليس الجهاد بالمفهوم الضيق الذي يراد له أن ينحصر ما بين سنوات حرب التحرير. يقول كروسمان في هذا الشأن:

Une résistance sournoise s’instaure dans les sept villes du M’zab ; cet aspect d’opposition est cristallisé par un lettré de Beni-Isguen, cheikh Mohammed Atfieche. (M. C. Grossmann, Le réformisme ibadite en Algérie, p. 3).

ويضيف الأب لوي دافيد (1874-1966)، الذي عاصر القطب والتقى به :

« Le Cheikh Atfyech ne fut pas le moins ardent à montrer combien l’annexion de son pays lui déplaisait. (…) Cette attitude hostile fut celle qu’il garde jusqu’à la fin de sa vie. (…) Ses nombreuses et véhémentes protestations à l’adresse des chefs du gouvernement français contre ce qu’il appelait : ces injustes oppressions envers les musulmans de l’Afrique du nord), … ». (P. Louis David, Le Cheikh Atfyech, inédit).

رغم كل هذه الاضطرابات، فإنها لم تثنه عن عزيمة التأليف، بل ولم تشغله تآليفه الغزيرة، كما هو حال معظم العلماء، من تأليف الرجال، لصعوبة التوفيق بين المهمتين. فأنشأ القطب معهده ببني يزقن، وتخرَّج منه علماء فطاحل، عم نفعهم أقطار المغرب والعالم الإسلاميِّ. فكانوا نعم الرجال وفاء وإخلاصا، منهم السياسيون و القضاة والصحفيون و المصلحون والمحققون والمجاهدون. فلا تقاس عظمة العالم، كما تقول الرواية، بعدد تلاميذه وإنما بعدد الأساتذه الأكفاء الذين صنعهم وتخرجوا من مدرسته.

طبعا، لا نستطيع أن نختزل حياة القطب ومآثره في سطور. ولست في هذا المقام لأسرد تفاصيل حياة الشيخ وظروف نشأته المليئة بالعبر وإنما لأقف فقط على بعض المحطات التي استلهمتني. وعلى القارئ أن يرجع إلى ما ألف عنه من بحوث ودراسات أكاديمية.

إمام المفسرين

لقد استوقفتني، ضمن مؤلفات القطب الغزيرة، تفاسيره الثلاثة. لأنني لا أعلم في تاريخ التفسير و لا أعرف عالما في العالم الاسلامي فسر القرآن ثلاث مرات كتابة. وهذه التفاسير هي :

- “هميان الزاد إلى دار المعاد”. كان ختامه سنة 1855. ثم نقحه بعد ذلك بسنوات. طبع في عهد المؤلف، وعلى نفقة سلطان زنجبار.

- “داعي العمل ليوم الأمل”، توجد نسخة منه بمكتبة القطب وأخرى في مكتبة الشيخ حمو بابا وموسى بغرداية، ولا يزال مخطوطا.

- تيسير التفسير، طبع عدة مرات، وآخر إصدار لهذا التفسير كان من تحقيق الشيخ ابراهيم طلاي حفظه الله. ونقرأ في مقدمته ما يلي : ” لما تقاصرت الهمم عن أن تهيم بـ (هميان الزاد إلى دار المعاد) الذي ألفته في صغر السن، وتكاسلوا عن تفسيري (داعي العمل ليوم الأمل)، أنشطت همتي إلى تفسير يُغتبطُ ولا يُملّ، فإن شاء الله قبله بفضله، وأتمه قبل الأجل. وأنا مقتصر على حرف نافع، ولمصحف عثمان تابع، وأسأل ذا الجلال أن ينعم عليَّ بالقَبول والإكمال”.

كم عالما في الجزائر، قديما وحديثا، فسر القرآن كتابة كاملا ؟ أترك السؤال مفتوحا. هذا فضلا عن اهتمام القطب بالقرآن وعلومه، فلقد ألف كتابه “جامع حرف ورش”، (مطبوع)، ثم “تلقين التالي لآيات المتعالي”. وهذا الكتاب شرح لمنظومة جامع ورش، في التجويد والقراءات. (مخطوط).

خير خلف لخير سلف

اهتمام القطب بالتفسير ليس بدعا في المذهب، لكنه تميز عن غيره وقطع في ذلك أشواطا جبارة. وتاريخ التفسير عند الاباضية حافل بنماذج تدل على مدى اهتمامهم بكتاب الله العزيز و تعاملهم مع القرآن في حياتهم اليومية. فعلاقة الاباضية بالقرآن الكريم تكتسي طابعا مميزا، خاصة إذا علمنا أن أقدم تفسير للقرآن في الشمال الإفريقي يعود إلى العالم الاباضي هود بن محكم الهواري، الذي حققه شيخنا الأستاذ بلحاج اشريفي (ابن الشيخ عدون)، في 4 مجلدات (دار الغرب الاسلامي، 1990). هذا التحقيق أخذ منه جهد عشرين سنة من البحث والتنقيب. وعند الانتهاء من تحقيقه، عدل صاحبه في الأخير عن تقديمه لنيل شهادته الأكاديمية اعتبارا منه أن القرآن الكريم أرفع من ذلك، فاحتسب أجره عند الله.

ولسنا في صدد إحصاء جميع هذه التفاسير، فمنها الكاملة ومنها الجزئية، ومن هؤلاء المفسرين من كان ضريرا، أمثال جدنا الشيخ محمد بن سليمان ابن ادريسو والشيخ صالح بن عمر لعلي. ولم تكن عاهة فقدان البصر لتحول بينهم وبين عزيمتهم. أما إذا انتقلنا إلى التفاسير الشفهية العصرية، فنجد في مقدمة هؤلاء الشيخ الجليل ابراهيم بن عمر بيوض، و تفسيره الشهير “في رحاب القرآن” الذي ختمه في احتفال بهيج، قبيل وفاته بشهور. ولقد ضاع جزء كبير منه قبل ظهور المسجلات وإيصال الكهرباء إلى مدينة القرارة. واحتفظ بنصفه، بداية من قوله تعالى في سورة الإسراء “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر”. (لنا عودة بحول الله للحديث عن هذه الشخصية في موضوع آخر حول خلية الثورة في القرارة).

ويتصدر هذه القائمة من السلسلة الذهبية في عصرنا الحاضر، الشيخان محمد بن سعيد كعباش، من العطف (تاجنينت) و محمد بن أيوب صدقي، من بني يزقن (آتسجن). فهما لا يزالان يحملان هذا المشعل بخطى ثابتة. فضمن سلسلة “نفحات الرحمن في رياض القرآن”، أصدر الشيخ كعباش، في نوفمبر 2013، الجزء الثالث عشر من هذا التفسير. أما عن أستاذنا الكريم الشيخ صدقي، فلقد بدأ تفسيره للقرآن في أوائل الثمانينات. ولقد عشت في ظلاله عدة سنوات، قبل أن أنتقل إلى جامعة أصول الدين بالجزائر. حفظهما الله ومتعهما بالصحة وبلّغهما لإتمام تفسير كتاب الله العزيز.

أليس من الأجدر أن تذاع مثل هذه الدروس مباشرة عبر التلفزة الوطنية؟ وباللغتين الأمازيغية والعربية؟ بدل أن نستورد أفكارا معلبة وملغمة من فضائيات شيوخ الفتنة؟ إن هؤلاء المفسرين والحاملين لكتاب الله هم مفخرة الجزائر، فياليتنا نتسارع فنخصص لهم حصصا أسبوعية، حتى يكتشف الجزائريون ذلك الكنز الدفين.

 ترى الفتى ينكر فضل الفتى *** ما دام حياً فإذا ما ذهب

لج به الحرص على نكتة *** يكتبها عنه بماء الذهب

وعناية إباضية الجزائر بكتاب الله تعالى، لم تقتصر على التفسير فحسب، بل بكل ما كان له علاقة بالقرآن وعلومه. يكفي أن نعلم أن أكبر خطاط جزائري سخر موهبته لخدمة كتاب الله، هو السيد اشريفي محمد بن سعيد، الذي تخرج في معهد الحياة. فلقد كتب ثلاثة من المصاحف الشريفة وعدداً كبيراً من الأجزاء القرآنية بعدة روايات مختلفة وهي مطبوعة. ولا يكاد يخلو بيت في الجزائر إلا وفيه مصحف يحمل بصماته. أي شرف أعظم من هذا؟

وحسبنا نموذج آخر، شاهد على خدمة الميزابيين لكلام الله، وهو الشيخ أبو إسحاق ابراهيم أطفيش الذي نفاه الاستعمار الفرنسي إلى القاهرة. وما الشبل إلا من ذاك الأسد. ولما استقر فيها أسندت إليه وزارة الداخلية المصرية في جوان1940  مهمة العمل في قسم التصحيح بدار الكتب المصرية، وكان من أجل أعماله فيها تحقيق وتصحيح أجزاء من الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وتصحيح كتاب المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، من تأليف محمد فؤاد عبد الباقي. وكان له الفضل في إخراج و إصدار معظم كتب شيخه القطب.

ويحفظ ميزاب لوح الجلال

المجتمع الإباضي وتعامله مع القرآن الكريم يكتنفه أهمية عظيمة. وعناية مزاب بكلام الله تتجلى في محاضره ومعاهده الرائدة. ولا يخفى أن كل من مر ذكرهم من أولئك المشايخ قد تخرجوا منها : الحياة، … الجابرية، … عمي سعيد، … الإصلاح،  … وغيرها من المدارس القرآنية، كلها كلمات خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، لما احتوت من عمق حضاري. فكلها منارات للعلم ضاربة بجذورها أعماق الصحراء الجزائرية. هذه المدارس هي التي أنتجت هذا المجتمع المزابي الإباضي الذي يتنفس القرآن، حفظا وتلاوة، شعارا و خلقا. ولو تحدثنا بلغة الأرقام، فحسبنا مثال واحد. ففي العام الماضي (2013/06/03) كرّمت القرارة بمؤسساتها التعليميّة العريقة وهيئة العزّابة الموقّرة، 95 حافظا وحافظة لكتاب الله (عدد الذكور 63 حافظا، عدد الإناث 32 حافظة)، في حفل بهيج حضره المشايخ والأساتذة والطلبة.

وما هي إلا عينة، دون الحديث عن بقية المؤسسات والمدارس، فضلا عن التربصات الصيفية لتحفيظ القرآن. فكم تمثل هذه النسبة مقارنة بالإحصائيات الوطنية العامة ؟ ولسنا في حاجة للتذكير أن عدد الميزابيين الإباضية في الجزائر لا يتجاوز عددهم 0.5 بالمائة من مجموع سكان الجزائر، “بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين”. هذا هو المجتمع الذي يتخذ من القرآن الكريم نورا يمشي به في الناس. فلماذا يراد لنور الله أن ينطفئ ؟ “وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد”. ولقد أصاب الشيخ العربي التبسي عندما قال : “المزابيون هبة الله للجزائر”.

وفي تلك المعاهد والمحاضر كانت لنا أيام، وإليها أنتسب، بل وينتسب معظم المزابيين. ولقد أرضعتني القيمَ ونهلت من معارفها، وأنا مدين لها وجد ممتن. وأخص بالذكر معهدَي الجابري وعمي سعيد. و هذا الأخير، معهد عمي سعيد، هو الأول على المستوى الولائي، ولقد حاز الرتبة الاولى على المستوى الوطني في نتائج البكالوريا سنة 2008.

ففي تلك المعاهد درسنا النظم و المتون وحفظناها ووعيناها، بعد القرآن الكريم. وفيها كنا نردد منظومة الرحبيه (للإمام الرحبي الشافعي) في علم الفرائض ومطلعها (بعد المقدمة) :

أسباب ميراث الورى ثلاثة  *** كل يفيد ربه الوراثة

وهي نكاح وولاء ونسب *** ما بعدهن للمواريث سبب

وكنا نكررها على يد شيخنا الشهيد العزابي بلحاج قشار رحمه الله (1924-1996)، كلما افتتح درس الفرائض. ولقد غدرت به يد الإرهاب في واقعة بوتركفين، قرب الاغواط.

وفيها كذلك كنا نردد ألفية ابن مالك في النحو:

كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كاسْتَقِمْ *** وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ

وفيها كنا نردد أيضا منظومة “أنوار العقول” في التوحيد للشيخ السالمي:

الحمد لله الذي قد أشرقا *** شمس العلوم من نهى ذوي التقى

فأبصروا بنورها المسالكا *** وجانبوا بسرها المهالكا

وكذا “خلاصة المراقي” في العبادات للشيخ الحاج صالح لعلي، … وغيرها.

هذه هي الصروح العلمية الشامخة، و”لمثل هذا فليعمل العملون”. هذه هي رموز الحضارة التي طالها العبث والتزييف. أليس من الحكمة السعي إلى استنساخ هذه التجربة الرائدة وطنيا ومغاربيا، بدل دعوات الجاهلية ؟

“وفي ذلك فليتنافس المتنافسون”

هذه هي تغردايت (غرداية) المجتمع الإباضي، الذي وقفنا، منذ سنوات، نحيي بها ألف عام، بمناسبة ألفية العطف (تاجنينت). مزاب هو عنوان الجد، والمثابرة. مبدؤه يلخصه شعار معهد الحياة وهو “الخلق و الدين قبل الثقافة، و مصلحة المجتمع قبل مصلحة الفرد”. مثله كمثل خلية النحل التي قال عنها شوقي:

قف سائل النحل به *** بأي عقل دبره؟

يجبك بالأخلاق وهـ *** ي كالعقول جوهرة

تغني قوى الأخلاق ما  ***  تغني القوى المفكرة

فكيف بالأخلاق والفكر معا؟ نعم، لا أتحدث عن مجتع ملائكي، وإنما أتحدث بمعيار القيم البشرية. فلا ترى فيهم متسكعا أو تائها، لأن تلك المدارس والمؤسسات تشغل الناشئة عن الفراغ كلما نازعته إليه نفسه. فمنذ أن يخرج باكرا (قبيل الصبح) إلى تلك المدرسة، هو في النشاط والتحصيل إلى غاية الثامنة مساء، امتثالا لقوله تعالى ” أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا”. هذا هو المجتمع الذي هو رمز التفوق والنجاح، الذي يسعى البعض إلى تشويه صورته. ولكن، وكما يقول الشعراوي: “إذا لم يكن لك حاقد فاعلم أنك إنسان فاشل”. أليس من الواجب استيعاب مقومات وأسس هذا المجتمع لتمكين وإرساء القيم الإنسانية؟ “إن التشبه بالكرام فلاح”. فلدى هؤلاء ثقافة ناضجة وقابلة للتصدير، والمزابيون مستعدون لتقديم يد العون لكل إنسان مخلص. وهذه المعرفة (Le savoir- faire) ليست سرا ولا حكرا.

هذا هو المجتمع القرآني الذي يخرج لنا المئات من حملة القرآن الكريم سنويا. هؤلاء هم الأمازيغ الذين حافظوا على قيم الاسلام، أيام كان غريبا في بلاده، يعض عليه بالنواجذ. هؤلاء هم بنو مزاب الذين احتضنوا العربية وأنقذوها من تصحيف الجار العربي. فلماذا يراد لهم الهلاك ؟ وإذا كان هذا حقا هو منهج الخوارج، فاللهم احشرنا معهم ولا تحرمنا أجرهم ولا تبقنا بعدهم. وإذا كان ما فعلوه ذنبا وجرما، ” قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون”.

أكيد، أن الكثير من الجزائريين يجهلون هذا الكنز الذي هو مفخرة للجزائر، وهاهي المناسبة للتعريف بشئ من حضارة مزاب الشامخة. ولعل الأحداث الأليمة التي مرت بها غرداية، وما صاحبها من تزييف للحقائق، ستدفع الكثير للتعرف على الفكر الإباضي والمجتمع الميزابي وخصالهم.

وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت *** أتاح لها لسان حسود. (أبوتمام)

إن ما وقع في مزاب، من قبل أناس كنا نحسبهم إخوة، ترك “جراحات لها في القلب عمق”. ولا أجد مبررا مذهبيا أو عرقيا واحدا لهذه الأحداث الأليمة. ويتعقد الأمر ويستعصي على الحل، عندما يكون ذلك الانتقام بدافع وباء الحقد الذي قال عنه الشاعر :

كل العداوات قد ترجى مودتها *** إلا عداوة من عاداك عن حسد

وعندما تتعالى أصوات تنادي بالتعايش باسم الأخوة في الدين، هل هذا يعني أن الجزائري غير مؤهل للتعايش مع غير المسلمين؟ فهذا خطاب فيه تقصير وإجحاف، ألا يحق لغير المسلم العيش في بلد المسلمين؟ فالإباضي عموما والمزابي خصوصا، لم تكن له أبدا عقدة التعايش مع الآخر، فكيف إذا كان هذا الاخر مسلما؟ ولنا نماذج حية في دولة عمان وفي فترة قيام الدولة الرستمية، ولقد كانت هذه الأخيرة أيام عزها تعقد جلسات حوار مع جميع الأديان والمذاهب بكل حرية دون مضايقات. أين نحن من هذه المثل؟

وليعلم جيلنا أن سكوت بعضنا والترفع عن الترهات، ليس عن ضعف أو وهن، وإعراضهم عن الجدل ليس عن إفلاس فكري، وإنما لأنهم لا يحسنون السباحة في الوحل. وذلك امتثالا لقوله تعالى “وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما”. ولن نهتز لقراءة نقد غير علمي يخفي النوايا السيئة قدر اهتزازنا لنقد تراعى فيه الدقة العلمية والموضوعية في العرض والتحليل.

هذا هو النموذج الحضاري الذي أنتجه مزاب ولا يزال. فأهله تعلم أن يشتغل ويعمل في صمت، دون هرج او مرج. ولقد أخلصوا النية لله. جاهدوا لله في صمت، وشيدوا للوطن في صمت، ولم يكونوا يوما عالة على السلطة، حتى ذهبوا ضحية نزاهتهم.
و يحفظ ميزاب لوح الجلال *** فيصبح ميزاب في اللوح حرفا.

و أحفاد أول من ركزوا *** سيادة أرض الجزائر أمس

ومن خلال ما تقدم ندرك أنه من الخطأ أن نختصر صورة الميزابي في متجره، فهو صالح لكل مهمة أومهنة شريفة. فلم يتفوق هذا المجتمع في التجارة فحسب بل ولقد ترك لنا إرثا ثقافيا وتراثا هندسيا عالميا وجعل من الأراضي الجرداء واحات خضراء ناضرة. ولقد بهر مزاب الرسامين و الفنانين و الكتاب و المعماريين والسياح.

وإليكم نص فرنسي، وهي شهادة من أعلى طراز لكاتبة سويسرية عند زيارتها لمزاب سنة 1967. ففي ختام حديثها عن الميزابيين تقول :

 « C’est avec émotion que nous contemplions l’ensemble édifié au cœur du désert, véritable miracle de la volonté humaine. Quelle foi devait animer ces hommes qui s’acharnaient à demeurer là, défiant les forces de la nature, imposant la vie à ces terres arides ! A mon avis, ces Berbères austères et opiniâtre, avaient crée quelque chose de plus valable pour l’humanité que les anciens moines ascétiques du Sahara oriental. N’ont-ils pas fait surgir des rochers et du sable un jardin fantastique un lieu désormais habitable ? Au point de montrer au monde que lorsque l’intelligence se double, chez l’homme, de vertus spirituelles l’incitant à créer plutôt qu’à méditer, à capter les sources souterraines d’eau plutôt qu’à végéter sur un sol ingrat, le désert lui-même finit par se soumettre à sa loi ». Margaret Pope. (Sahara, édité par rencontre, Lausanne, 1968).

 تلك هي رموز الحضارة الضاربة جذورها، أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها.

عود على بدء

أعود لأختم كلمتي حول الشيخ أطفيش رحمه الله في ذكراه المئة التي تمر بنا، للأسف، في صمت مطبق وفي موكب جنائزي، نظرا للاضطرابات التي مرت بها منطقة مزاب. وكأننا نعيد دفنه من جديد، بدل الاحتفاء به. فلقد من الله على الجزائر وعلى الأمة الاسلامية بهذا الرجل الفذ، لتجديد أمر دينها وإنقاذ أمته من براثن الجهل ووباء الجاهلية. فلم تنجب جزائر الأمس والحاضر مثل هذا الرجل العظيم، الحجة “فريد عصره”. لكنه مع ذلك، لم يحظ بما يليق بمقامه.

فالجزائر لم تقف بعد على اكتشاف جميع كنوزها في الصحراء، لكنها فضلت استغلال مادة كنزها الذهبي على مادة كنزها الذهني. وكنز الصحراء لا ينضب. وعادة ما يكون عامل الانتماء هو الراجح في عدم اعتبار الشخص وتقديره حق قدره. أكيد، وأنّ بعض الجزائريين -وهم يقرؤون هذه السطور- سيكتشفون لأول مرة هذه الشخصية الفذة. فماذا لو نشأ هذا الشيخ في بيئة غير بيئة الصحراء وعلى مذهب غير مذهب الإباضية وفي عصر غير عصر الفتن ؟ حتما، سيكون له شأن آخر. فلقد “جنى” عليه انتماءه الزماني والمكاني والمذهبي (والعرقي). وأكيد أن مثل تلك المؤلفات لو صدرت عن غيره لكان لها صدى واسع. ولا داعي لانكار هذه الاعتبارات الناتجة عن التزمت والقومية والتعصب. وإلا فبماذا نفسر هذا التجاهل والاجحاف في حق رجل بمثل هذا الحجم والذي وهب حياته كلها للعلم ؟ وصدق مفدي عندما قال:

فـكم حـسدونا عـلى مـجدنا *** وجـاروا عـلى البلد الطيب!

وكـم بالـجزائر من معجزات *** وإن جـحدوها ولـم تُكـتب!

نعم، لقد عز على البعض أن تصدر مثل هذه الانجازات من رجل يختلف معه في توجهاته وانتماءاته. ولقد كان سلاحه المادي، هو مجرد ما يملكه من محبرة وريشة وقرطاس، وشمعة يستضيء بها، ودابة يركبها. ومن نافلة القول أن نؤكد أن معظم تلك الجهود والأعمال الموسوعية التي أنجزها القطب، حدثت خلال القرن التاسع عشر. بعبارة أخرى تحدث في زمن لا يفقه فيه معنى الحاسوب أو الانتيرنت أو الهاتف أو المواصلات. وفي زمن من أراد أن يتحصل على معلومة فليضرب أكباد الابل، وليركب دابته وليضرب في الارض أميالا، ليالي و أياما.

نداء إلى الوزارة الوصية

هذا العالم الرباني لم ينل حقه من التعريف بما يليق بمقامه، فهو يحتاج إلى لفتة من قبل سلطاتنا الرسمية، وعند الله الجزاء الأوفى. لذلك، ومن خلال هذا المقال أوجه ندائي إلى السلطات الجزائرية، اعترافا بفضل الجنوب على الشمال ولتمكين أواصر الأخوة و الروابط المذهبية، لتقوم بطبع جميع مؤلفاته على نفقتها وأن تخصص جائزة دورية وطنية لأهم ما ينجز عنه. بل وبودي أن تتكرم بتسمية أكبر جامعة لعلوم الشريعة في الجزائر باسم “القطب”، وهي جامعة الخروبة في العاصمة، وهذه مفخرة لكل الجزائريين، اعترافا واستحقاقا، ذمة وفريضة، لا منة ممنونة. وذلك للقضاء على بعض المخلفات الذهنية وللتأكيد أن الانتماء العرقي أو الفكري لم يكن يوما عائقا أمام الوحدة الوطنية. ولا أجد في الحقيقة سببا واحدا للرفض، فشخصية بحجم هذا الرجل الحجة ليس حكرا على أهل مزاب والإباضية وإنما هو مفخرة الجزائر والعالم الاسلامي. وهذه اللفتة ستبرهن لنا ايضا مدى ارتباط الشمال بالجنوب، و أن أهل الشمال ليسوا من دعاة الانفصال. لذلك أطلب من أساتذنا الجامعيين في العاصمة تحريك هذه المبادرة على مستوى الجامعة ومن طرف المؤسسات المخولة النزيهة مثل جمعية العلماء، ثم أخيرا على مستوى الوزارة.

رحمك الله شيخنا يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا، “فالذكر للانسان عمر ثان”.

أخوكم صالح ابن ادريسو

الأحد 23 مارس 2014. فرنسا

المصدر: Le M’ZAB : Culture – Patrimoine

bendrissou@gmail.com

__________________

*ملاحظة : للمقال إحالات وروابط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى